غانم قدوري الحمد
42
رسم المصحف
إلا أن دراسة ما تدل عليه تلك النقوش القليلة والاستعانة بذلك في تمحيص الروايات العربية تعين في الوصول إلى نتائج مقبولة إلى حد ما - في الوقت الحاضر - بانتظار ما يكشف عنه المستقبل من نقوش جديدة في الجزيرة العربية وأطرافها . تشير معظم الروايات العربية إلى انتقال الكتابة من الحيرة إلى مكة عن طريق دومة الجندل « 1 » . فيروى أن عامرا الشعبي ( 19 - 103 ه ) قال « 2 » : « سألنا المهاجرين من أين تعلمتم الكتاب ؟ قالوا : من أهل الحيرة ، وقالوا لأهل الحيرة : من أين تعلمتم الكتاب ؟ قالوا : من أهل الأنبار » . ويروى هذا الخبر أيضا عن يحيى بن جعدبة « 3 » ، وعن زياد بن أنعم المعافري ( ت نحو 100 ه ) عن ابن عباس « 4 » . ويروى أيضا أن الأصمعي قال « 5 » : « ذكروا أن قريشا سئلوا من أين لكم الكتابة ؟ فقالوا : من أهل الحيرة ، وقيل لأهل الحيرة : من أين لكم الكتابة ؟ فقالوا : من أهل الأنبار » . ولا يعنينا - هنا - ما تذهب إليه المصادر العربية بعد ذلك من أن أهل الأنبار أو الحيرة أخذوا الكتابة من اليمن أو من واضعيها مرامر وصاحبيه . وتسند المصادر العربية نقل الكتابة من الحيرة إلى مكة وباقي الحجاز إلى أفراد بأعيانهم ، يقول البلاذري « 6 » : « كان بشر بن عبد الملك ، أخو أكيدر بن عبد الملك بن عبد الجن الكندي ثم السكوني ، صاحب دومة الجندل - يأتي الحيرة فيقيم بها الحين ، وكان نصرانيا ، فتعلم بشر الخط العربي من أهل الحيرة ، ثم أتى مكة في بعض شأنه ، فرآه سفيان بن أمية بن عبد شمس وأبو قيس بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب يكتب ، فسألاه أن يعلمهما الخط ، فعلمهما الهجاء ، ثم أراهما الخط فكتبا ، ثم إن بشرا وسفيان وأبا قيس أتوا الطائف في تجارة ، فصحبهم غيلان بن سلمة الثقفي فتعلم الخط منهم ،
--> ( 1 ) دومة الجندل : حصن وقرى بين الشام والمدينة قرب جبلي طيء ، على سبع مراحل من دمشق ( ياقوت : معجم البلدان ، ج 4 ، ص 106 ) . ( 2 ) ابن أبي داود ، ص 4 : المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار ، دمشق ، مكتب الدراسات الإسلامية ، 1940 ، ص 9 ، والمحكم ( له ) ص 26 . ( 3 ) حمزة الأصفهاني ، ص 19 . ( 4 ) الداني : المحكم ، ص 26 . والسيوطي : المزهر ، ج 2 ، ص 349 . ( 5 ) ابن رستة : الأعلاق النفيسة ، ج 7 ، ص 192 . وابن خلكان : ج 3 ، ص 30 . ( 6 ) البلاذري ، ص 476 .